الحياة ما بعد السرطان

عندما ينتهي علاج السرطان، يبدأ الناس فصلاً جديداً في حياتهم؛ فصلاً يمكن أن يجلب الأمل والسعادة، ولكن يمكنه أن يجلب مشاعر القلق والخوف أيضاً. لا يوجد شخصان متطابقان؛ فلكل شخص طريقته الخاصة في التأقلم وتعلُّم كيفية التحكُّم في عواطفه، وفي كل الحالات يتطلب الأمر قدراً من الوقت والصبر.

قد ينتابك القلق من عودة السرطان إليك من جديد، وقد تجد نفسك تفكر في الموت. إن الخوف من عودة السرطان مجدداً (ما اصطلح عليه بـ “عودة السرطان”) أمرٌ شائع بين الناجين منه، ويمكن أن يكون الخوف منه شديداً جداً في بعض الأحيان.

قد تكون أكثر وعياً بتداعيات السرطان على أسرتك وأصدقائك ومسارك المهني. وقد تتشكل لديك نظرة جديدة إزاء علاقاتك مع الناس من حولك.

كما أن المسائل غير المتوقعة قد تثير القلق لديك؛ إذ قد تشعر، على سبيل المثال، بضغوط تطوقك بسبب المخاوف المالية الناجمة عن تكاليف العلاج. كما أن مقابلاتك مع فريق الرعاية الطبية الخاص بك بعد العلاج من السرطان، قد تقل ويتوفّر لديك حينذاك الكثير من وقت الفراغ. إن أي شيء من هذه الأشياء قد يجعلك تشعر بالقلق.

صحيح أن بعض الناس مستعدون أكثر من غيرهم للحياة بعد السرطان. ولكن يمكن لأي شخص أن يستفيد من مساعدة الآخرين ودعمهم سواء أكانوا من الأصدقاء، أم الأسرة، أم من مجموعات دينية، أم مجموعات دعم، أم مستشارين مهنيين أم غير ذلك.

العودة إلى الحياة الطبيعية

كنت تداوم بانتظام على مقابلة فريق العناية بمرضى السرطان الخاص بك؛ والآن، وبشكل مفاجئ صرت غير ملزم بزيارته لعدة أشهر متواصلة، حيث يشعر بعض الناس بأنهم ما عادوا يصارعون السرطان بعد انتهاء العلاج منه؛ لذا تبدأ مشاعر القلق من هنا؛ فقد تشعر بالوحدة والضياع من دون دعم فريق العناية بمرضى السرطان الخاص بك. وربما يراودك هذا الشعور بعد أن صار هؤلاء الناس يشكّلون جزءاً مهماً من حياتك، فتصبح حينها ضحية للقلق والحزن لعدم رؤيتهم.

وربما تواجهك متاعب غير متوقعة حين عودتك إلى أداء دورك الأسري. فالأشياء التي كنت تقوم بها في الأسرة قبل إصابتك بمرض السرطان صار يقوم بها آخرون. وقد يكونون غير راغبين في تملكك مهامك مرة أخرى، أو ربما لا توافق على الكيفية التي تمت بواسطتها إدارة تلك المهام ولكنك تخشى الإفصاح عن كل ما يختلج في صدرك.

بالنسبة إلى بعض الناس تعود إليهم- دفعة واحدة- جميع العواطف والأحاسيس، التي سبق أن أزيحت جانباً في أثناء تلقيهم علاج السرطان، فيغمرهم شعور طاغٍ بالحزن أو الغضب أو الخوف. قد يعود جزء من هذا الشعور إلى الآثار الجانبية المتبقية للعلاج، غير أنه يمكن أن تشعر بالحاجة إلى راحة طويلة الأمد لشدة تعبك الجسدي والروحي. إذ مضى وقت طويل منذ أن كنت قادراً على الاسترخاء.

كل هذه المشاعر مفهومة ومتوقعة. فأنت خرجت للتو من تجربة عصيبة، وعليك أن تتخذ بعض القرارات المصيرية في حياتك. لقد تعرض جسدك لهجوم السرطان وأدوات علاجه، وتغيرت تبعاً لذلك نظرتك إلى طريقة حياتك بأكملها، على الأقل لبعض الوقت.

لذا، من المهم مواجهة هذه المشاعر وتعلُّم كيفية التعامل معها. ينبغي ألا تتوقع أن يعود كل شيء إلى ما كان عليه قبل تشخيص إصابتك بمرض السرطان. عليك أن تعطي نفسك وأسرتك ومَن يحيطون بك وقتاً.. وسوف تجتاز هذه التجربة. فمثلما تكيّفت مع السرطان بعد أن استغرق وقتاً، يمكنك التكيّف مع الحياة بعد السرطان أيضاً.

البقاء إيجابياً

في السنوات الأخيرة، تم تركيز الكثير من الانتباه حول أهمية التحلي بموقف إيجابي. وذهب بعض الناس إلى حدّ القول إن باستطاعة الموقف الإيجابي وقف نمو السرطان أو منعه من العودة مجدداً. لذلك لا تُعطِ الآخرين الفرصة لتضليل التفكير الإيجابي وإلقاء هذا العبء على كاهلك.

قد تكون أكثر قدرة على إدارة حياتك وتجربتك مع السرطان عندما تكون قادراً على النظر إلى الأشياء بإيجابية، ولكن هذا ليس ممكناً على الدوام. ومن الجيد العمل من أجل اكتساب موقف إيجابي يمكن أن يساعدك على التمتع بشعور أفضل تجاه الحياة الآن. تذكر فقط أنه ليس عليك أن تتصرَّف بإيجابية طوال الوقت. ولا تؤنّب نفسك أو تترك الآخرين يجعلونك تشعر بالذنب عندما ينتابك شعور بالحزن أو الغضب أو القلق أو التوتر.

إن مرض السرطان لا يسببه الموقف السلبي لأي شخص، ولا يصبح أسوأ بسبب أفكار أي شخص؛ فلا تترك أساطير الإيجابية تمنعك من إخبار أحبائك، أو فريق العناية بمرض السرطان الخاص بك، بما تشعر به.

تعلُّم التعايش مع الشكوك

ربما تلاحظ أنك تولي الكثير من الاهتمام بالأوجاع والآلام التي تشعر بها في جسدك. وربما تشعر أنك بلا حول ولا قوة. وقد يقول لك الطبيب: ليس لديك أي علامات تدل على السرطان الآن. ولكن هل يمكنك أن تكون على يقين من ذلك؟ فربما تتساءل:

  • هل يعود السرطان مرة أخرى؟
  • ما احتمالات عدم عودته من جديد؟
  • كيف سأعرف إذا عاد مرة أخرى؟
  • ماذا سأفعل إذا عاد؟
  • متى سيعود مرة أخرى؟

يتملكك الخوف، ويتسبب لك في مشكلات، وخاصة وقت النوم، وفي أثنائه، وفي أن تكون قريباً من شريك حياتك، ويؤثر فيك حتى عند اتخاذ قرارات بسيطة، هذا لا يخصك وحدك. ومع مرور الوقت، يشهد كثيرون أن خوفهم من عودة السرطان مرة أخرى انخفض، ووجدوا أنفسهم يفكرون في مرض السرطان بدرجة أقل فأقل. ولكن حتى بعد مرور سنوات على العلاج، ربما تتسبب بعض الأحداث في إثارة هذا القلق من جديد؛ على سبيل المثال:

  • زيارات المتابعة أو بعض الفحوصات الطبية.
  • الذكرى السنوية لبعض الأحداث (مثل التاريخ الذي تم فيه تشخيص إصابتك بالسرطان، أو خضعت فيه لعملية جراحية، أو أنهيت فيه العلاج).
  • أعياد الميلاد.
  • مرض أحد أفراد الأسرة.
  • اكتشاف أن أحد معارفك أصيب بمرض السرطان أو عاد إليه مرة أخرى.
  • اكتشاف أن أحد معارفك أصيب بمرض السرطان أو عاد إليه مرة أخرى.
  • الشعور بأعراض جديدة لا تفهمها.
  • وفاة شخص مصاب بمرض السرطان.

فيما يأتي بعض الأفكار التي ساعدت الآخرين على التعامل مع الشكوك والخوف، وامتلكوا الشعور بمزيد من الأمل والتفاؤل:

  • كن على اطلاع: إذ من الأفضل معرفة ما يمكنك القيام به من أجل صحتك في الوقت الحالي ومعرفة الخدمات المتوافرة. فهذا يمكن أن يمنحك المزيد من الإحساس بالسيطرة.
  • كن على علم بأنك لا تتحكم في عودة السرطان مرة أخرى. ومن الأفضل القبول بهذه الحقيقة بدلاً من مقاومتها.
  • كن على علم بمخاوفك، ولكن لا تقيِّمها. تدرَّب على تبديدها. من الطبيعي أن تخامر ذهنك هذه الأفكار، ولكن عليك التخلص منها. فبعض الناس يتخيلونها وهي تغادر أو تتبخّر. وآخرون يحوِّلونها إلى قوة عليا للتعامل معها. ولكن أياً كان تعاملك معها، فإن التخلص منها يمكن أن يحررك من إهدار الوقت والطاقة في قلق لا داعي له
  • عبّر عن مشاعر الخوف أو الشكوك التي تنتابك لصديق موثوق به أو مستشار. إن الانفتاح بشأن التعامل مع العواطف يساعد الكثير من الناس على تقليل الشعور بالقلق. لقد وجد الناس أنهم عندما يعبّرون عن المشاعر القوية، مثل الخوف، تزداد قدرتهم على التخلص منها. إن التفكير والحديث عن مشاعرك يمكن أن يكونا أمرين صعبين. ولكن إذا وجدت أن السرطان يستولي على حياتك، يكون من الأفضل أن تجد طريقة للتعبير عن مشاعرك. فهذا يخفف عنك كثيراً.
  • اغتنم اللحظة الراهنة بدلاً من التفكير في مستقبل مجهول أو ماضٍ عصيب. فإذا استطعت إيجاد طريقة تشعرك بالهدوء والاطمئنان الذاتي، ولو لبضع دقائق يومياً، سيكون باستطاعتك مستقبلاً استعادة ذكريات ذلك الهدوء والطمأنينة عندما تحدث أشياء أخرى، عندما تكون الحياة مزدحمة ومربكة.
  • استخدم طاقتك للتركيز على العافية وما يمكن أن تقوم به الآن لتبقى في صحة جيدة ما أمكن. حاول إجراء تغييرات غذائية صحية. وإذا كنت من المدخنين، فهذا وقت مناسب للإقلاع عن التدخين.
  • أوجِد طرقاً تساعدك على الاسترخاء.
  • حافِظ على نشاطك البدني قدر الإمكان.
  • تحكّم في ما يمكن أن تتحكم فيه. يقول بعض الناس إن تنظيم حياتهم كما كانت في السابق يقلل شعورهم بالخوف. إن انخراطك في العناية بصحتك والعودة إلى حياتك الطبيعية وإحداث تغيير في طريقة حياتك من بين الأشياء التي يمكنك التحكم فيها. كما أن وضع جدول يومي يمكن أن يمنحك مزيداً من القوة. وإذا كان من الصعب على أي شخص أن يتحكم في جميع الأفكار، فإن بعض الناس يقولون إنهم أقلعوا عن الإفراط في التفكير في الأشياء المخيفة.

المشكلات الصحية الناجمة عن علاج السرطان

بعض علاجات السرطان قد تسبب مشكلات صحية في وقت لاحق. ويمكن تسمية هذه المشكلات بالآثار الجانبية طويلة الأمد. هذه المشكلات قد لا تظهر على الفور، وبعضها لا يظهر إلا بعد سنوات من العلاج. لذلك يمكنك التوجه إلى فريق رعاية مرضى السرطان الخاص بك، بالتساؤل حول:

  • إذا ما كانت العلاجات التي تلقيتها ستعرضك لخطر مشكلات صحية على المدى القصير أو الطويل؟
  • ما هذه المشكلات وكيف يمكن معرفتها؟
  • ماذا يجب أن تفعل إذا لاحظتها؟
  • ما الذي يمكن أن تقوم به لتكون في كامل الصحة ما أمكن؟

لا تتردد في طرح أي أسئلة تخطر ببالك ومعرفة ما تحتاج إلى معرفته حول المشكلات المحتملة المترتبة على علاج السرطان الذي تلقيته.

الحصول على المساعدة

يمكن للدعم العاطفي أن يكون أداة قوية للناجين من السرطان ولأسرهم على حدٍّ سواء. إن التحدث مع الآخرين الذين هم في أوضاع شبيهة بوضعك يمكن أن يساعد على تخفيف الشعور بالوحدة. ويمكنك أن تحصل من الآخرين على أفكار مفيدة قد تساعدك أيضاً.

يوجد العديد من برامج الدعم، من بينها برامج الاستشارات الفردية أو الجماعية ومجموعات الدعم.

إن الدعم، من أي نوع، يمنحك الفرصة للتعبير عن مشاعرك ويطور مهارات التكيُّف لديك. لقد أثبتت الدراسات أن الناس الذين يشاركون في مجموعات الدعم يتمتعون بنوعية حياة أفضل من ذي قبل، بما في ذلك تمتُّعهم بنوم أفضل وشهية أفضل.

مجموعات الدعم

تتخذ بعض مجموعات الدعم طابعاً رسمياً، وتركز على نشر الوعي عن السرطان أو كيفية التعامل مع المشاعر الناجمة عنه، وبعضها الآخر له طابع اجتماعي غير رسمي. كما أن العضوية في بعضها تقتصر على الناس المصابين بالسرطان أو مقدمي الرعاية فقط، في حين تتسع في أخرى لحضور الأزواج أو أعضاء الأسرة أو الأصدقاء. كما أن بعض مجموعات الدعم تركز على أنواع بعينها من السرطان أو مراحل معينة للمرض. ويمكن أن يتراوح طول لقاء المجموعات بين عدد من الأسابيع، ويشمل برنامجاً مستمراً. ولبعض البرامج عضوية مغلقة وبعضها مفتوح للأعضاء الجدد.

من المهم جداً الحصول على معلومات حول أي مجموعة دعم تسعى إلى الالتحاق بها. اسأل قائد المجموعة أو المشرف عليها عن حالة المرضى في المجموعة لتعرف إن كان ثمة من يعيش مرحلة ما بعد الشفاء من السرطان.

الاستشارات

بعض الناس يفضلون وجود اتصال شخصي مع مستشار يمكن أن يمنحهم اهتماماً وتشجيعاً مباشراً. وربما يكون فريق العناية بمرضى السرطان الخاص بك قادراً على أن يوفر لك مستشاراً يعمل مع الناجين من مرض السرطان.

الروحانية والدين

يمكن أن يكون الدين مصدراً كبيراً للقوة بالنسبة إلى بعض الناس. ونشير إلى أن البعض يجد إيماناً جديداً خلال تجربة مرض السرطان. وبعضهم يجد أن السرطان يوقظ إيمانهم أو أن إيمانهم يمنحهم قوة جديدة. وقد يشك آخرون في إيمانهم. فإذا كنت شخصاً متديناً، فإن مستشاراً دينياً مدرَّباً يمكن أن يساعدك في تحديد احتياجاتك الروحية وتوفير الدعم الروحي.

إن الأمور الروحانية مهمة لكثير من الناس، حتى بالنسبة إلى أولئك الذين لا يمارسون ديناً رسمياً. وكثير من الناس يجدون العزاء في إدراكهم أنهم جزء من شيء أكبر من أنفسهم، ما يساعدهم على إيجاد معنى لحياتهم. ويمكن للممارسات الروحية أن تساعد في تعزيز الترابط مع الآخرين. كما أن التأمل والامتنان ومساعدة الآخرين وقضاء بعض الوقت في الطبيعة، كلها ليست سوى القليل من الطرق الكثيرة التي تساعد الناس على تلبية احتياجاتهم الروحية.

الخلاصة

فكّر دائماً أنك من الناجين من مرض السرطان، وتذكّر الأخبار السعيدة: فأنت واحدٌ من الملايين الذين استكملوا حياتهم بعد أن كانوا مصابين بمرض السرطان، ومعدل البقاء على قيد الحياة يتحسن يوماً بعد يوم. ومثل معظمهم، يمكنك أنت ومن حولك أن تتكيفوا مع السرطان وتعيشوا حياة تبعث على الرضا بعد الشفاء منه.

المصدر: جمعية السرطان الأمريكية